أبي حيان التوحيدي
230
المقابسات
الرأيين من هذين الصنفين القول الحق الذي لا يكون بعده تلبيس ولا تأويل ، وذلك أنه ينبغي أن يعلم أن الشخص المخصوص بهذه القوة على الدرجة بها ، رفيع المكان معها ، ما دام يخبر بها وعنها ولا يمزجها بغيرها ، فإنه حينئذ ينبئ عن أعيان الأمور وقلوب الأحوال وعواقب الأيام . فأما إذا عاد إلينا مفارقا للاقتباس ، داخلا في عادة ذوى الاحساس ، فهو كواحد من ضربائه ولداته ، إن أصاب فبفطنته ، وإن أخطأ فبفطرته . لأنه في مسلك غيره من البشر ، ومسلوب من الطين الأول ، ذو طبائع أربع متعادية ، وعناصر متشابكة ، لا فرق بينه وبين غيره البتة ما دام الحال على ما وصفنا وحددنا ، وإنما إذا انبعثت القوة بسلطانها ، وانبجست النفس ببرهانها ، فإن هذا الشخص يأتي بكل ما يهدى العقول ، ويصلح الأحوال ، ويقنع النفوس ، وينظم المصالح ، ويقوّم الاخلاق ، ويهذب الطبائع ، ويكون نورا للعالمين ورحمة للخلق أجمعين ثم خرج من سياجه هذا للفرق بين الشريعة والفلسفة . وحضر الجماعة المساء ولم يستوف ذلك على حقه . ولعلى أعود على هذه المقابسة فآتى بما يكون محيطا بأكثر قوله في موضع آخر عن غير قصد يغلب حدا ، بالكلام الذي يعقد أوله بآخره ، وساء تأليفه من جميع حواشيه ، وبان التقصير في نشره وروايته . على أنك أدام اللّه حياتك لو علمت على أي حال نقل هذا القدر ، وفي أي وقت قلب ، ومع أي شغل ، لاستكثرت قليله ، وحمدت الموافق له . وما أكثر ما أخذت نفسي بتحويل ذلك كله إلى نمط آخر بطراز آنق من هذا الطراز ، واحتراز أشد من هذا الاحتراز ، إذا أذن اللّه بزوال ما هم النفس والبال ، وانحسار ما دهم الصغار والكبار ، بمنه الشائع وفضله المشهور